الفيض الكاشاني

74

مجموعة رسائل

جميع الحضرات وهو لا يغفل مطلقاً » ( « 1 » ) . الرابعة إنّ هذه القدرة في الآخرة تكون لعامّة النّاس ، فيبدعون في خارج محلّ هممهم ما يشاؤون من الصّور ممّا يناسب أحوالهم ، لعدم مانع لهم عن ذلك ، بل يكون تلك الصّور أشدّ إلذاذاً وإيلاماً من هذه المحسوسات الملذّة والمؤلمة بكثير ؛ لصفاء المحلّ وقوّة الفاعل وعدم الشّاغل وذكاء المدرك ، وانحصار القوى كلّها في قوّة واحدة هي المتخيلة ، وصيرورتها عيناً باصرةً للنفس وقدرةً فعّالةً ، وانقلاب العلم مشاهدةً ؛ وذلك لأنّ الخيال هنا لك يصير عين الحسّ ويتّحد به . ولهذا قيل : أنّ اللذّة الخيالية لا تكون في الجنّة ، لأنّها من قضيات الوهم ؛ إذ من شأنه أن يتخيل أشياء على طريق التّمنّى فيلتذّ بها النفس ، « والمنى رأس مال المفاليس » ( « 2 » ) ، والآخرة دار الصدق ودار الحقائق ؛ ولذلك سميت « الحاقّة » لأنّ فيها حواقّ الأمور ( « 3 » ) ، وليس فيها أباطيل وأكاذيب والأمنية ، إذ فيها ما تشتهى الأنفس وتلذّ الأعين نقداً ؛ وإنّما التذاذهم بالوجود المشاهد ، فلا يخطر بالبال شئ في الجنّة تميل

--> ( 1 ) - راجع : شرح فصوص الحكم : 632 ؛ الحكمة المتعالية : 2 / 266 - 267 ، المرحلة الأولى ، المنهج الثالث في الوجود الذهني . ( 2 ) - راجع : يتيمةالدهر : 2 / 225 ؛ قال الشاعر أبو بكر الخالدي ( المتوفّى 380 ق ) : إن خانك الدهر فَكُن عائذذ بالبيد والظلماء والعيسِ وَلاتَكُن عبْدَ المنى « فالمنى رؤوس أموال المفاليس » . ( 3 ) - ذلك قول الفرّاء ، راجع : الصحاح : 4 / 1461 ؛ لسان العرب : 10 / 54 ؛ الحاقّة والحَقّة : حقيقة الأمر .